القرطبي

167

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

إذ لا يطاق سماع شيء من عذاب اللّه في هذه الدار ، لضعف هذه القوى . ألا ترى أنه إذا سمع الناس صعقة الرعد القاصف ، أو الزلازل الهائلة هلك كثير من الناس ، وأين صعقة الرعد من صحيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد التي يسمعها كل من يليه ؟ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم في الجنازة : « ولو سمعها إنسان لصعق » . قلت : هذا وهو على رؤوس الرجال من غير ضرب ولا هوان . فكيف إذا حل به الخزي والنكال واشتد عليه العذاب والوبال ؟ فنسأل اللّه معافاته ومغفرته وعفوه ورحمته بمنه . ( حكاية ) قال أبو محمد عبد الحق : حدّثني الفقيه أبو الحكم بن برجان - وكان من أهل العلم والعمل رحمه اللّه - أنهم دفنوا ميتا بقريتهم من شرق إشبيلية ، فلما فرغوا من دفنه ؛ قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريبا منهم ، فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر ، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ، ثم ولّت فارة كذلك - فعلت مرة بعد أخرى - قال أبو الحكم رحمه اللّه : فذكرت عذاب القبر ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم » واللّه عزّ وجلّ أعلم بما كان من أمر ذلك الميت . ذكر هذه الحكاية لما قرأ القارئ هذا الحديث في عذاب القبر ، ونحن إذ ذاك نسمع عليه كتاب مسلم بن الحجاج - رضي اللّه عنه . * * * 58 باب ما جاء أن الميت يسمع ما يقال ( مسلم ) عن أنس بن مالك : أن عمر بن الخطاب حدّث عن أهل بدر فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس . يقول : « هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللّه » . قال : فقال عمر : فوالذي بعثه بالحق نبيّا ؛ ما أخطئوا الحدود التي حدّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : فجعلوا في بئر ، بعضهم على بعض ، فانطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال : « يا فلان بن فلان ! هل وجدتم ما وعدكم اللّه ورسوله حقّا ، فإني وجدت ما وعدني ربي حقّا ؟ » فقال عمر : يا رسول اللّه ! كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها ؟ قال : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئا » « 1 » . وعنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثا ، فقام عليهم فناداهم ؛ فقال :

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2873 ) .